38 سورة ص مكية آياتها ثمان و ثمانون 88
بسم الله الرحمن الرحيم ص و القرآن ذي الذكر قال : هو قسم و جوابه بل الذين كفروا في عزة و شقاق يعني في كفر و قوله : كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا و لات حين مناص أي ليس هو وقت مفر و قوله : و عجبوا أن جاءهم منذر منهم قال نزلت بمكة لما أظهر رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) الدعوة بمكة اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا و سب آلهتنا و أفسد شبابنا و فرق جماعتنا فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش و نملكه علينا ، فأخبر أبو طالب رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) بذلك ، فقال : لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري ما أردته ، و لكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب و تدين لهم بها العجم و يكونون ملوكا في
تفسير القمي ج : 2ص :229
الجنة ، فقال لهم أبو طالب ذلك فقالوا نعم و عشر كلمات ، فقال لهم رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) تشهدون أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فقالوا : ندع ثلاثمائة و ستين إلها و نعبد إلها واحدا فأنزل الله تعالى و عجبوا أن جاءهم منذر منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذاب أ جعل الآلهة إلها واحدا إلى قوله إلا اختلاق أي تخليط ء أنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري إلى قوله من الأحزاب يعني الذين تحزبوا عليه يوم الخندق .
ثم ذكر هلاك الأمم و قد كتبنا خبرهم في سورة هود كذبت قبلهم قوم نوح و عاد و فرعون ذو الأوتاد و قوله : و ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق أي لا يفيقون من العذاب و قوله و قالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب أي نصيبنا و صكنا من العذاب ثم خاطب الله عز و جل نبيه فقال اصبر على ما يقولون و اذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب أي دعاء إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق يعني إذا طلعت الشمس و الطير محشورة كل له أواب و شددنا ملكه إلى قوله إذ تسوروا المحراب يعني نزلوا من المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم إلى قوله و خر راكعا و أناب حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن الصادق (عليهالسلام) قال إن داود (عليهالسلام) لما جعله الله عز و جل خليفة في الأرض و أنزل عليه الزبور أوحى الله عز و جل إلى الجبال و الطير أن يسبحن معه و كان سببه أنه إذا صلى ببني إسرائيل يقوم وزيره بعد ما يفرغ من الصلاة فيحمد الله و يسبحه و يكبره و يهلله ثم يمدح الأنبياء (عليهمالسلام) نبيا نبيا و يذكر من فضلهم و أفعالهم و شكرهم و عبادتهم لله سبحانه و تعالى و الصبر على بلائه و لا يذكر داود ، فنادى داود ربه فقال : يا رب قد أنعمت على الأنبياء بما أثنيت عليهم و لم تثن علي ، فأوحى الله عز و جل إليه هؤلاء عباد ابتليتهم فصبروا و أنا أثني عليهم بذلك فقال يا رب فابتلني حتى أصبر ، فقال
تفسير القمي ج : 2ص :230
يا داود تختار البلاء على العافية إني ابتليت هؤلاء و أنا لم أعلمهم و أنا أبتليك و أعلمك أن بلائي في سنة كذا و شهر كذا و في يوم كذا ، و كان داود (عليهالسلام) يفرغ نفسه لعبادته يوما و يقعد في محرابه يوما و يقعد لبني إسرائيل فيحكم بينهم ، فلما كان اليوم الذي وعده الله عز و جل اشتدت عبادته و خلا في محرابه و حجب الناس عن نفسه و هو في محرابه يصلي فإذا طائر قد وقع بين يديه جناحاه من زبرجد أخضر و رجلاه من ياقوت أحمر و رأسه و منقاره من لؤلؤ و زبرجد فأعجبه جدا و نسي ما كان فيه ، فقام ليأخذه فطار الطائر فوقع على حائط بين داود و بين أوريا بن حنان و كان داود قد بعث أوريا في بعث فصعد داود (عليهالسلام) الحائط ليأخذ الطير و إذا امرأة أوريا جالسة تغتسل فلما رأت ظل داود نشرت شعرها و غطت به بدنها ، فنظر إليها داود فافتتن بها و رجع إلى محرابه ، و نسي ما كان فيه و كتب إلى صاحبه في ذلك البعث لما أن يصيروا إلى موضع كيت و كيت يوضع التابوت بينهم و بين عدوهم ، و كان التابوت في بني إسرائيل كما قال الله عز و جل« فيه سكينة من ربكم و بقية مما ترك آل موسى و آل هرون تحمله الملائكة » و قد كان رفع بعد موسى (عليهالسلام) إلى السماء لما عملت بنو إسرائيل بالمعاصي ، فلما غلبهم جالوت و سألوا النبي أن يبعث إليهم ملكا يقاتل في سبيل الله بعث إليهم طالوت و أنزل عليهم التابوت و كان التابوت إذا وضع بين بني إسرائيل و بين أعدائهم و رجع عن التابوت إنسان كفر و قتل و لا يرجع أحد عنه إلا و يقتل . فكتب داود إلى صاحبه الذي بعثه أن ضع التابوت بينك و بين عدوك و قدم أوريا بن حنان بين يدي التابوت فقدمه و قتل ، فلما قتل أوريا دخل عليه الملكان و قعدا و لم يكن تزوج امرأة أوريا و كانت في عدتها و داود في محرابه يوم عبادته فدخلا عليه الملكان من سقف البيت و قعدا بين يديه ففزع داود منهما فقالا : لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق و لا تشطط
تفسير القمي ج : 2ص :231
و اهدنا إلى سواء الصراط و لداود حينئذ تسع و تسعون امرأة ما بين مهيرة إلى جارية ، فقال أحدهما لداود : إن هذا أخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة واحدة فقال أكفلنيها و عزني في الخطاب أي ظلمني و قهرني ، فقال داود كما حكى الله عز و جل : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه إلى قوله و خر راكعا و أناب قال : فضحك المستعدى عليه من الملائكة و قال : قد حكم الرجل على نفسه فقال داود : أ تضحك و قد عصيت لقد هممت أن أهشم فاك ، قال : فعرجا و قال الملك المستعدى عليه لو علم داود أنه أحق بهشم فيه مني . ففهم داود الأمر و ذكر الخطيئة فبقي أربعين يوما ساجدا يبكي ليله و نهاره و لا يقوم إلا وقت الصلاة حتى انخرق جبينه و سأل الدم من عينيه فلما كان بعد أربعين يوما نودي يا داود ما لك أ جائع أنت فنشبعك أم ظمآن فنسقيك أم عريان فنكسوك أم خائف فنؤمنك ؟ فقال : أي رب و كيف لا أخاف و قد عملت ما عملت و أنت الحكم العدل الذي لا يجوزك ظلم ظالم ، فأوحى الله إليه تب يا داود ، فقال أي رب و أنى لي بالتوبة قال : صر إلى قبر أوريا حتى أبعثه إليك و أسأله أن يغفر لك ، فإن غفر لك غفرت لك قال : يا رب فإن لم يفعل ؟ قال : أستوهبك منه ، قال : فخرج داود (عليهالسلام) يمشي على قدميه و يقرأ الزبور و كان إذا قرأ الزبور لا يبقى حجر و لا شجر و لا جبل و لا طائر و لا سبع إلا يجاوبه حتى انتهى إلى جبل و عليه نبي عابد يقال له حزقيل ، فلما سمع دوي الجبال و صوت السباع علم أنه داود فقال : هذا النبي الخاطىء فقال داود : يا حزقيل تأذن لي أن أصعد إليك ؟ قال : لا فإنك مذنب . فبكى داود (عليهالسلام) فأوحى الله عز و جل إلى حزقيل يا حزقيل لا تعير داود بخطيئته و سلني العافية فنزل حزقيل و أخذ بيد داود و أصعده إليه فقال له داود : يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط ؟ قال : لا : قال : فهل دخلك العجب مما
تفسير القمي ج : 2ص :232
أنت فيه من عبادة الله عز و جل ؟ قال : لا قال : فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهواتها و لذاتها ؟ قال : بلى ربما عرض ذلك بقلبي قال : فما تصنع ؟ قال : أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه ، قال : فدخل داود (عليهالسلام) الشعب فإذا بسرير من حديد عليه جمجمة بالية و عظام نخرة و إذا لوح من حديد و فيه مكتوب فقرأه داود ، فإذا فيه : أنا أروى بن سلمة ملكت ألف سنة و بنيت ألف مدينة ، و افتضضت ألف جارية و كان آخر أمري أن صار التراب فراشي و الحجار وسادي و الحيات و الديدان جيراني فمن رآني فلا يغتر بالدنيا . و مضى داود حتى أتى قبر أوريا فناداه فلم يجبه ثم ناداه ثانية فلم يجبه ثم ناداه ثالثة فقال أوريا : ما لك يا نبي الله لقد شغلتني عن سروري و قرة عيني قال يا أوريا اغفر لي و هب لي خطيئتي فأوحى الله عز و جل إليه يا داود بين له ما كان منك ، فناداه داود فأجابه فقال : يا أوريا فعلت كذا و كذا و كيت و كيت فقال أوريا : أ يفعل الأنبياء مثل هذا ؟ فناداه فلم يجبه فوقع داود على الأرض باكيا فأوحى الله إلى صاحب الفردوس ليكشف عنه فكشف عنه فقال أوريا لمن هذا ؟ فقال : لمن غفر لداود خطيئته ، فقال يا رب قد وهبت له خطيئته ، فرجع داود (عليهالسلام) إلى بني إسرائيل و كان إذا صلى وزيره يحمد الله و يثني على الأنبياء (عليهمالسلام) ثم يقول : كان من فضل نبي الله داود قبل الخطيئة كيت و كيت ، فاغتم داود (عليهالسلام) فأوحى الله عز و جل إليه يا داود قد وهبت لك خطيئتك و ألزمت عار ذنبك ببني إسرائيل ، قال : يا رب كيف و أنت الحكم العدل الذي لا تجور ، قال : لأنه لم يعاجلوك بالنكيرة و تزوج داود (عليهالسلام) بامرأة أوريا بعد ذلك فولد له منها سليمان (عليهالسلام) ثم قال عز و جل : فغفرنا له ذلك و إن له عندنا
تفسير القمي ج : 2ص :233
لزلفى و حسن مآب
تفسير القمي ج : 2ص :234
و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله و ظن داود أي علم و أناب أي تاب و ذكر أن داود كتب إلى صاحبه أن لا تقدم أوريا بين يدي التابوت و رده فقدم أوريا إلى أهله و مكث ثمانية أيام ثم مات .
حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا يحيى بن زكريا اللؤلؤي عن علي بن حنان عن عبد الرحمن بن كثير قال سألت الصادق (عليهالسلام) عن قوله أم نجعل الذين آمنوا و عملوا الصالحات قال أمير المؤمنين (عليهالسلام) و أصحابه كالمفسدين في الأرض حبتر و زريق و أصحابهما أم نجعل المتقين أمير المؤمنين (عليهالسلام) و أصحابه كالفجار حبتر و دلام و أصحابهما كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته أمير المؤمنين و الأئمة صلوات الله عليه و عليهم أجمعين و ليتذكر أولوا الألباب فهم أهل الألباب الثاقبة ، قال : و كان أمير المؤمنين (عليهالسلام) يفتخر بها و يقول ما أعطي أحد قبلي و لا بعدي مثل ما أعطيت .
و قال علي بن إبراهيم في قوله : و وهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إلى قوله حتى توارت بالحجاب و ذلك أن سليمان كان يحب الخيل و يستعرضها فعرضت عليه يوما إلى أن غابت الشمس و فاتته صلاة العصر فاغتم من ذلك غما شديدا فدعا الله عز و جل أن يرد عليه الشمس حتى يصلي العصر فرد الله عليه الشمس إلى وقت العصر حتى صلاها ثم دعا
تفسير القمي ج : 2ص :235
بالخيل فأقبل يضرب أعناقها و سوقها بالسيف حتى قتلها كلها و هو قوله عز و جل ردوها علي فطفق مسحا بالسوق و الأعناق و لقد فتنا سليمان و ألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب إلى قوله إنك أنت الوهاب و هو أن سليمان لما تزوج باليمانية
تفسير القمي ج : 2ص :236
ولد منها ابن و كان يحبه فنزل ملك الموت على سليمان و كان كثيرا ما ينزل عليه فنظر إلى ابنه نظرا حديدا ففزع سليمان من ذلك فقال لأمه : إن ملك الموت نظر إلى ابني نظرة أظنه قد أمر بقبض روحه ، فقال للجن و الشياطين هل لكم حيلة في أن تفروه من الموت ، فقال واحد منهم : أنا أضعه تحت عين الشمس في المشرق ، فقال سليمان إن ملك الموت يخرج ما بين المشرق و المغرب ، فقال واحد منهم أنا أضعه في الأرض السابعة ، فقال إن ملك الموت يبلغ ذلك ، فقال آخر : أنا أضعه في السحاب و الهواء فرفعه و وضعه في السحاب ، فجاء ملك الموت فقبض روحه في السحاب فوقع جسده ميتا على كرسي سليمان فعلم أنه قد أخطأ فحكى الله ذلك في قوله و ألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي و هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب و الرخاء اللينة و الشياطين كل بناء و غواص أي في البحر و آخرين مقرنين في الأصفاد يعني مقيدين قد شد بعضهم إلى بعض و هم الذين عصوا سليمان (عليهالسلام) حين سلبه الله عز و جل ملكه .
و قال الصادق (عليهالسلام) جعل الله عز و جل ملك سليمان في خاتمه فكان إذا لبسه حضرته الجن و الإنس و الشياطين و جميع الطير و الوحش و أطاعوه فيقعد على كرسيه و بعث الله عز و جل رياحا تحمل الكرسي بجميع ما عليه من الشياطين و الطير
تفسير القمي ج : 2ص :237
و الإنس و الدواب و الخيل فتمر بها في الهواء إلى موضع يريده سليمان (عليهالسلام) ، و كان يصلي الغداة بالشام و يصلي الظهر بفارس ، و كان يأمر الشياطين أن تحمل الحجارة من فارس يبيعونها بالشام ، فلما مسح أعناق الخيل و سوقها بالسيف سلبه الله ملكه ، و كان إذا دخل الخلاء دفع خاتمه إلى بعض من يخدمه فجاء الشيطان فخدع خادمه و أخذ منه الخاتم ، و لبسه فخرت عليه الشياطين و الجن و الإنس و الطير و الوحش و خرج سليمان في طلب الخاتم فلم يجده فهرب و مر على ساحل البحر و أنكرت بنو إسرائيل الشيطان الذي تصور في صورة سليمان و صاروا إلى أمه و قالوا لها أ تنكرين من سليمان شيئا ؟ فقالت كان أبر الناس بي و هو اليوم يبغضني و صاروا إلى جواريه و نسائه و قالوا أ تنكرين من سليمان شيئا ؟ قلن كان لم يكن يأتينا في الحيض ، فلما خاف الشيطان أن يفطنوا به ألقى الخاتم في البحر ، فبعث الله سمكة فالتقمته و هرب الشيطان ، فبقوا بنو إسرائيل يطلبون سليمان أربعين يوما . و كان سليمان يمر على ساحل البحر يبكي و يستغفر الله تائبا إلى الله مما كان منه فلما كان بعد أربعين يوما مر بصياد يصيد السمك فقال له أعينك على أن تعطيني من السمك شيئا ، قال نعم فأعانه سليمان فلما اصطاد دفع إلى سليمان سمكة فأخذها فشق بطنها و ذهب يغسلها فوجد الخاتم في بطنها ، فلبسه فخرت عليه الشياطين و الجن و الإنس و الطير و الوحش و رجع إلى ما كان و طلب ذلك الشيطان و جنوده الذين كانوا معه فقيدهم و حبس بعضهم في جوف الماء و بعضهم في جوف الصخر بأسامي الله فهم محبوسون معذبون إلى يوم القيامة . قال و لما رجع سليمان إلى ملكه قال لآصف بن برخيا و كان آصف كاتب سليمان و هو الذي كان عنده علم من الكتاب : و قد عذرت الناس بجهالتهم فكيف أعذرك ؟ فقال : لا تعذرني و لقد عرفت الشيطان الذي أخذ خاتمك و أباه و أمه و عمه و خاله و لقد قال لي اكتب لي فقلت له إن قلمي لا يجري بالجور ، فقال
تفسير القمي ج : 2ص :238
اجلس و لا تكتب فكنت أجلس و لا أكتب شيئا و لكن أخبرني عنك يا سليمان صرت تحب الهدهد و هو أخس الطير منتنا و أنتنه ريحا ؟ قال إنه يبصر الماء من وراء الصفا الأصم ، قال و كيف يبصر الماء من وراء الصفا و إنما يوارى عنه الفخ بكف من تراب حتى يؤخذ بعنقه ! فقال سليمان قف يا وقاف ! إنه إذا جاء القدر حال دون البصر قال : و حدثني أبي عن أبي بصير عن أبان عن أبي حمزة عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليهالسلام) قال خرج سليمان بن داود من بيت المقدس و معه ثلاثمائة ألف كرسي عن يمينه عليها الإنس و ثلاثمائة ألف كرسي عن يساره عليها الجن و أمر الطير فأظلتهم و أمر الريح فحملتهم حتى ورد إيوان كسرى في المدائن ثم رجع فبات فاضطجع ثم غدا فانتهى إلى مدينة تركاوان [ بركاوان ] ثم أمر الريح فحملتهم حتى كادت أقدامهم يصيبها الماء و سليمان على عمود منها فقال بعضهم لبعض هل رأيتم ملكا قط أعظم من هذا و سمعتم به فقالوا ما رأينا و لا سمعنا بمثله فنادى ملك من السماء ثواب تسبيحة واحدة في الله أعظم مما رأيتم و حدثني أبي عن أحمد بن محمد عن أبي نصر [ بصير ] عن عبد الله بن القاسم عن أبي خالد القماط عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال قالت بنو إسرائيل لسليمان استخلف علينا ابنك ، فقال لهم إنه لا يصلح لذلك فألحوا عليه فقال : إني أسائله عن مسائل فإن أحسن الجواب فيها أستخلفه ثم سأله فقال يا بني ما طعم الماء و طعم الخبز ، و من
تفسير القمي ج : 2ص :239
أي شيء ضعف الصوت و شدته ؟ و أين موضع العقل من البدن ؟ و من أي شيء القساوة و الرقة ؟ و مم تعب البدن و دعته ؟ و مم تكسب البدن و حرمانه ؟ فلم يجبه بشيء منها ، فقال أبو عبد الله (عليهالسلام) : طعم الماء الحياة و طعم الخبز القوة و ضعف الصوت و شدته من شحم الكليتين و موضع العقل الدماغ ، أ لا ترى أن الرجل إذا كان قليل العقل قيل له ما أخف دماغك و القسوة و الرقة من القلب و هو قوله : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ، و تعب البدن و دعته من القدمين إذا تعبا في المشي يتعب البدن و إذا أودعا أودع البدن و تكسب البدن و حرمانه من اليدين إذا عمل بهما ردتا على البدن و إذا لم يعمل بهما لم تردا على البدن شيئا .
قوله : و اذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب و عذاب قال فإنه حدثني أبي عن ابن فضال عن عبد الله بن بحر [ محبوب ] عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال سألته عن بلية أيوب (عليهالسلام) التي ابتلي بها في الدنيا لأي علة كانت ؟ قال لنعمة أنعم الله عليه بها في الدنيا و أدى شكرها و كان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس من دون العرش فلما صعد و رأى شكر نعمة أيوب حسده إبليس و قال يا رب إن أيوب لم يؤد إليك شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا و لو حرمته دنياه ما أدى إليك شكر نعمة أبدا فسلطني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي إليك شكر نعمة أبدا ، فقيل له قد سلطتك على ماله و ولده قال فانحدر إبليس فلم يبق له مالا و ولدا إلا أعطبه فازداد أيوب شكرا لله و حمدا قال فسلطني على زرعه ، قال قد فعلت فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق فازداد أيوب لله شكرا و حمدا فقال يا رب ! سلطني على غنمه ، فسلطه على غنمه فأهلكها فازداد أيوب لله شكرا و حمدا و قال يا رب سلطني على بدنه فسلطه على بدنه ما خلا عقله و عينه فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه
تفسير القمي ج : 2ص :240
فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد الله و يشكره حتى وقع في بدنه الدود و كانت تخرج من بدنه فيردها و يقول لها ارجعي إلى موضعك الذي خلقك الله منه و نتن حتى أخرجه أهل القرية من القرية و ألقوه في المزبلة خارج القرية و كانت امرأته رحيمة بنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين و عليها تتصدق من الناس و تأتيه بما تجده قال فلما طال عليه البلاء و رأى إبليس صبره أتى أصحابا له كانوا رهبانا في الجبال و قال لهم : مروا بنا إلى هذا العبد المبتلى و نسأله عن بليته فركبوا بغالا شهبا و جاءوا فلما دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه فقرنوا بعضا إلى بعض ثم مشوا إليه و كان فيهم شاب حدث السن فقعدوا إليه ، فقالوا : يا أيوب لو أخبرتنا بذنبك لعل الله كان يهلكنا إذا سألناه و ما نرى ابتلاءك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحد إلا من أمر كنت تستره ؟ فقال أيوب و عزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا و يتيم أو ضيف يأكل
تفسير القمي ج : 2ص :241
معي و ما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله إلا أخذت بأشدهما على بدني فقال الشاب سواه لكم عمدتم إلى نبي الله فعيرتموه حتى أظهر من عبادة ربه ما كان يسترها ، فقال أيوب : يا رب لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي فبعث الله إليه غمامة فقال : أيوب أدلني بحجتك فقد أقعدتك مقعد الحكم و ها أنا ذا قريب و لم أزل فقال يا رب إنك لتعلم أنه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي أ لم أحمدك أ لم أشكرك أ لم أسبحك ؟ قال فنودي من الغمامة بعشرة ألف لسان يا أيوب من صيرك تعبد الله و الناس عنه غافلون و تحمده و تسبحه و تكبره و الناس عنه غافلون أ تمن على الله بما لله فيه المنة عليك ؟ قال : فأخذ أيوب التراب فوضعه في فيه ثم قال لك العتبى يا رب أنت فعلت ذلك بي ، فأنزل الله عليه ملكا فركض برجله فخرج الماء فغسله بذلك الماء فعاد أحسن ما كان و أطرأ و أنبت الله عليه روضة خضراء و رد عليه أهله و ماله و ولده و زرعه و قعد معه الملك يحدثه و يؤنسه فأقبلت امرأته معها الكسر ، فلما انتهت إلى الموضع إذ الموضع متغير و إذا رجلان جالسان فبكت و صاحت و قالت يا أيوب ما دهاك فناداها أيوب ، فأقبلت فلما رأته و قد رد الله عليه بدنه و نعمته سجدت لله شكرا فرأى ذوابتها مقطوعة و ذلك أنها سألت قوما أن يعطوها ما تحمله إلى أيوب من الطعام و كانت حسنة الذوائب فقالوا لها تبيعينا ذوائبك هذه حتى نعطيك فقطعتها و دفعتها إليهم و أخذت منهم طعاما لأيوب ، فلما رآها مقطوعة الشعر غضب و حلف عليها أن يضربها مائة سوط فأخبرته أنه كان سببه كيت و كيت فاغتم أيوب من ذلك فأوحى الله إليه فخذ بيدك ضغثا فاضرب به و لا تحنث فأخذ مائة شمراخ فضربها ضربة واحدة فخرج من يمينه ثم قال : و وهبنا له أهله و مثلهم معهم رحمة منا و ذكرى لأولي الألباب
تفسير القمي ج : 2ص :242
قال : فرد الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلاء و رد عليه أهله الذين ماتوا بعد ما أصابه البلاء كلهم أحياهم الله تعالى ، فعاشوا معه ، و سئل أيوب بعد ما عافاه الله أي شيء كان أشد عليك مما مر عليك ؟ قال : شماتة الأعداء قال فأمطر الله عليه في داره فراش الذهب و كان يجمعه فإذا ذهب الريح منه بشيء عدا خلفه فرده ، فقال له جبرئيل : أ ما تشبع يا أيوب ؟ قال : و من يشبع من رزق ربه ثم قال : و اذكر يا محمد عبادنا إبراهيم و إسحاق و يعقوب أولي الأيدي و الأبصار يعني أولي القوة و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليهالسلام) في قوله : أولي الأيدي و الأبصار يعني أولي القوة في العبادة و الصبر [ البصر ] فيها و قوله : إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار يقول إن الله اصطفاهم بذكر الآخرة و اختصهم بها .
قال علي بن إبراهيم ثم ذكر الله المتقين و ما لهم عند الله فقال : هذا ذكر و إن للمتقين لحسن مآب إلى قوله قاصرات الطرف أتراب يعني الحور العين يقصر الطرف عنها و البصر من صفائها مع ما حكى الله من قول أهل الجنة إن هذا لرزقنا ما له من نفاد أي لا ينفد و لا يفنى هذا و إن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم و غساق قال الغساق واد في جهنم فيه ثلاثمائة و ثلاثون قصرا في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت أربعون زاوية في كل زاوية شجاع في كل شجاع ثلاثمائة و ثلاثون عقربا في جمجمة كل عقرب ثلاثمائة و ثلاثون قلة من سم لو أن عقربا منها نضحت سمها على أهل جهنم لوسعتهم بسمها هذا و إن للطاغين لشر مآب و هم زريق و حبتر و بنو أمية ثم ذكر من كان من بعدهم ممن غصب آل محمد حقهم فقال : و آخر من شكله أزواج هذا فوج مقتحم معكم و هم بنو السباع و يقولون بنو أمية لا مرحبا بهم إنهم
تفسير القمي ج : 2ص :243
صالوا النار فيقولون بنو فلان بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا و بدأتم بظلم آل محمد فبئس القرار ثم يقول بنو أمية ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار يعنون الأولين ثم يقول أعداء آل محمد في النار ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا و هم شيعة أمير المؤمنين (عليهالسلام) اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار ثم قال : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار فيما بينهم و ذلك قول الصادق (عليهالسلام) و الله إنكم لفي الجنة تحبرون و في النار تطلبون .
ثم قال عز و جل : يا محمد قل هو نبأ عظيم يعني أمير المؤمنين (عليهالسلام) أنتم عنه معرضون ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إلى قوله مبين قال فإنه حدثني خالد عن الحسن بن محبوب عن محمد بن يسار [ سيار ] عن مالك الأسدي عن إسماعيل الجعفي قال كنت في المسجد الحرام قاعدا و أبو جعفر (عليهالسلام) في ناحية فرفع رأسه فنظر إلى السماء مرة و إلى الكعبة مرة ثم قال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و كرر ذلك ثلاث مرات ثم التفت إلي فقال : أي شيء يقولون أهل العراق في هذه الآية يا عراقي ؟ قلت يقولون أسرى به من المسجد الحرام إلى البيت المقدس فقال : لا ليس كما يقولون ، و لكنه أسرى به من هذه إلى هذه و أشار بيده إلى السماء و قال ما بينهما حرم ، قال فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) : يا جبرئيل في هذا الموضع تخذلني ؟ فقال تقدم أمامك فوالله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك فرأيت من نور ربي و حال بيني و بينه السبخة [ التسبيحة ] ، قلت : و ما السبخة جعلت فداك ؟ فأومى بوجهه إلى الأرض و أومى بيده إلى السماء و هو يقول جلال ربي ثلاث مرات ، قال يا محمد ! قلت : لبيك يا رب قال فيم اختصم الملأ الأعلى
تفسير القمي ج : 2ص :244
قال قلت سبحانك لا علم لي إلا ما علمتني قال فوضع يده أي يد القدرة بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي قال فلم يسألني عما مضى و لا عما بقي إلا علمته قال : يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قال قلت : يا رب في الدرجات و الكفارات و الحسنات فقال : يا محمد قد انقضت نبوتك و انقطع أكلك فمن وصيك ؟ فقلت يا رب قد بلوت خلقك فلم أر من خلقك أحدا أطوع لي من علي فقال و لي يا محمد فقلت يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أر في خلقك أحدا أشد حبا لي من علي بن أبي طالب (عليهالسلام) قال : و لي يا محمد فبشره بأنه راية الهدى و إمام أوليائي و نور لمن أطاعني و الكلمة التي ألزمتها المتقين ، من أحبه فقد أحبني و من أبغضه فقد أبغضني ، مع ما أني أخصه بما لم أخص به أحدا ، فقلت يا رب أخي و صاحبي و وزيري و وارثي ، فقال إنه أمر قد سبق أنه مبتلى و مبتلى به مع ما أني قد نحلته و نحلته و نحلته و نحلته أربعة أشياء عقدها بيده و لا يفصح بها عقدها .
ثم حكى خبر إبليس فقال عز و جل : إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين و قد كتبنا خبر آدم و إبليس في موضعه ، حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال حدثنا القاسم بن محمد عن إسماعيل الهاشمي عن محمد بن يسار [ سيار ] عن الحسن بن المختار عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليهالسلام) قال لو أن الله خلق الخلق كلهم بيده لم يحتج في آدم أنه خلقه بيده فيقول« ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي » أ فترى الله يبعث الأشياء بيده ، و قال علي بن إبراهيم في قوله خلقتني من نار و خلقته من طين قال فإنه حدثني أبي عن سعيد بن أبي سعيد عن إسحاق بن حريز قال قال أبو عبد الله (عليهالسلام) أي شيء يقول أصحابك في قول إبليس خلقتني من نار و خلقته من طين ؟ قلت جعلت فداك قد قال ذلك و ذكره الله في كتابه قال كذب
تفسير القمي ج : 2ص :245
إبليس لعنه الله يا إسحاق ما خلقه الله إلا من طين ، ثم قال : قال الله : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون خلقه الله من تلك النار و النار من تلك الشجرة و الشجرة أصلها من طين ، أخبرنا أحمد بن إدريس قال حدثنا أحمد بن محمد عن محمد بن يونس عن رجل عن أبي عبد الله (عليهالسلام) في قول الله تبارك و تعالى فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلّم) على الصخرة التي في بيت المقدس .
قال علي بن إبراهيم ثم قال لإبليس لعنه الله لما قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فقال الله فالحق و الحق أقول لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين حدثنا سعيد بن محمد عن بكر بن سهل عن عبد الغني عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريح عن عطا عن ابن عباس في قوله : قل يا محمد ما أسألكم عليه من أجر أي على ما أدعوكم إليه من مال تعطونيه و ما أنا من المتكلفين يريد ما أتكلف هذا من عندي إن هو إلا ذكر يريد موعظة للعالمين يريد الخلق أجمعين و لتعلمن يا معشر المشركين نبأه بعد حين يريد عند الموت و بعد الموت يوم القيامة .

دیدگاه کاربران
برای مشاهده و ارسال دیدگاه وارد حساب خود شوید.